نذير حمدان

271

حكمة القرآن والحضارة

وقد يكونون من المنافقين الذي يعيشون مع المسلمين فهم أعداؤهم باطنا المسالمون لهم ظاهرا ، فالمسلمون متيقظون لأوضاعهم عاملون بجد لإعادتهم إلى المجتمع بصدق وفعالية وإخلاص ، فالنفاق ( مرض ) بالتعبير القرآني يجب معالجته بالتدريج إذ لا بدّ من استئصاله أو بتر عوامله الناشطة حرصا على سلامة المجتمع وقوته وعزته ، وتمشيا مع السياسة الشرعية الحكيمة . حتى إن قواعد الحكمة الكلية مثل رفع الحرج وجلب المقاصد ، ومشروعية التيسير يمكن أن تستوعب جميع المسائل التي تتضمن العلل والمعلولات والأسباب والمسببات ، فلا تكاد مسألة في العقائد والعبادات تخلو منها وحدها أو بالاقتران مع الحكم المتنوعة . وغالبا ما يستفيد القضاة والمجتهدون من استنباط العلل لصحة القضاء وسلامة الاجتهاد ، ويستفيد المنظّرون والدارسون من استنباط الحكم في مقارنة المسائل وإثبات صحتها وعقلانيتها وبيان منفعتها الفكرية والاجتماعية . وعلى ذلك فلا غنى للثقافة عن معرفة الحكم ولا غنى للحياة العملية عن إدراك العلل التي تساهم في تنظيم الحياة العملية وتوطيد العلاقة السليمة بشكل كبير ، فلا يستغنى بإحداهما عن الأخرى . والمهم هو إعمال الفكر للمختصين لإدراك أسرار الأشياء وتطبيقها ، على أحسن وجه وبالجهد العقلي الأصلح سواء كان ذلك باستنباط العلل أو الحكم لأنهما مدار الخير والشر في الحياة . شمولية في التعليل الحكيم إن تقعيد القواعد العامة في التعليل الحكيم لمسائل جامعة لحكمة التشريع وعلّة التشريع تدل على فهم كلي ، ونظرة معرفية شاملة ، يبدو فيها إعمال العقل برسم صورة كاملة عن التشريع . ونحن أمام نموذج تراثي من نماذج كثيرة تحمل النظرة الكلية ، والفهم الشامل للشريعة فقها وتعليلا وحكما آثرنا على طوله أن يكون أمام وعي القارئ ليدرك سبق علمائنا إلى إبراز هذه الشمولية ، ومن ثم لننفي وبالدليل المقروء شبهة روّج لها هي اتهام المسلمين بالعقل التحليلي الجزئي الذي لا يعرف المفاهيم العقلية الشاملة . ومثل هذا الاتجاه إذ يقترب العلماء فيه من أصول الفقه أحد العلوم الإسلامية الخاصة فإنه أكثر شمولية وأغنى مسائل وأعمق